مجد الدين ابن الأثير

119

المختار من مناقب الأخيار

ما خشن « 1 » ، ومن الطعام ما جشب « 2 » ، كان فينا واللّه كأحدنا ، يجيبنا إذا سألناه ، وينبئنا إذا استنبأناه ، ويبتدئنا « 3 » إذا أتيناه ، ويأتينا إذا دعوناه ، ونحن واللّه مع تقريبه لنا وقربه منّا لا نكلّمه هيبة ولا نبتدئه لعظمته ، فإن تبسّم فعن مثل اللّؤلؤ المنظوم ، يعظّم أهل الدين ، ويحبّ المساكين ، لا يطمع القويّ في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله . أشهد لرأيته في بعض مواقفه ، وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه ، وقد مثل في محرابه ، قابضا على لحيته ، يتململ تململ السّليم ، ويبكي بكاء الحزين وهو يقول : يا دنيا يا دنيا ! ألي تعرّضت أم إليّ تشوّفت « 4 » ؟ ! هيهات هيهات ! غرّي غيري ، قد بتتّك ثلاثا ، لا رجعة لي فيك ، فعمرك قصير ، وعيشك حقير ، وخطرك كبير « 5 » ؛ آه من قلّة الزاد وبعد السّفر ، ووحشة الطريق ! فذرفت دموع معاوية على لحيته ، فما يملكها وهو ينشّفها بكمّه وقد اختنق القوم بالبكاء . ثم قال معاوية : رحم اللّه أبا الحسن ، كان واللّه كذلك ، فكيف حزنك عليه يا ضرار ؟ قال : حزن من ذبح واحدها في حجرها فلا ترقأ عبرتها ولا يسكن حزنها « 6 » . قال : وكان معاوية يكتب فيما نزله به ليسأل له عنه عليّ بن أبي طالب ، فلما بلغه قتله قال : ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب . فقال له عتبة أخوه : لا يسمع منك هذا أهل الشام . فقال : دعني عنك .

--> ( 1 ) في الحلية والتاريخ : « ما قصر » . ( 2 ) جشب الطعام : صار جشبا ، أي خشنا غليظا ؛ وقيل هو الطعام غير المأدوم . اللسان ( جشب ) . ( 3 ) في الحلية والتاريخ « ويدنينا » . ( 4 ) تشوّفت : تزيّنت . ( 5 ) في الحلية والتاريخ « يسير » . ( 6 ) أخرجه أبو نعيم في الحلية 1 / 84 ، 85 وابن عبد البر في الاستيعاب 3 / 44 بهامش الإصابة ، وابن عساكر في تاريخه في ترجمة ضرار ( المختصر 11 / 158 ) والمحب الطبري في الرياض 2 / 281 وهو في نهج البلاغة 4 / 16 .